كان يا ما كان : عبد الله زغلي

خرج “ لفقير صالح “ كعادته إلى فضائه المفضل ,, وهو يتكئ على عكازه الذي أصبح لايفارقه ,,,
لقد بلغ الثمانين من عمره ، أو تجاوزها بقليل ,,, يستهويه الجلوس تحت شجرة “ الخروب “ الضاربة في القدم ,,, غلظ جذعها وتجذر ,, وتفرعت أغصانها ، علت وتشابكت ,, حتى غدت تشبه مظلة عملاقة ، تظلل ما حولها ، وتريح قاصدها ,,, لقد ألفها وألفته ,,,
تمدد أمام جذعها ,, بعدما أعاد شد عمامته الصفراء بإحكام ,,, وتفقد وضع عباءته ,, وجمع نعليه إليه ووضعهما تحت رأسه ,,, ومد يده إلى إبريق الماء فأحكم إغلاقه ,,,
سرح بعينيه قليلا “ رغم ضعف بصره “ فجال بهما بين ساقية الماء المارة أمامه ,,, والعرصات المحيطة به ، بخضرتها اليانعة ,, وأشجارها الباسقة ,, وخيراتها الوفيرة ,,,
رمى بناظريه بعيدا ,,, تخيل البحر ، الذي كان يرى زرقة مائه من قبل ,,, وينتشي بذلك الشفق الأزرق الذي يعانق اليابسة بلونها البني الداكن ,,,
يشعر بالغبطة أحيانا وهو يداعب دجيجاته ، وهي تقوقئ أمامه ,,, وكلبه الرابض على يساره ، وهو يبصبص بذنبه ,, وزقزقات الطيور وهي تتنقل من شجرة إلى أخرى ,, وطنين بعض مخلوقات الله الجميلة حوله ,,,
لكنه يشعر بالانزعاج أخرى ، حين لاتحترمه الدجاجات ولا تُوقّره ,,, ويتمادى,,, كلبه في النباح والعويل ,,, وتعتدي عليه بعض الحشرات التي تسعى لإذايته ,,, وهو يهش عليها وينشها ,
استلذ المقام مع نسمات الهواء الباردة التي تصله من البحر ، وسافر بذاكرته الى الوراء ، منقبا ونابشا في زخم ذكريات ، كادت تغور وتنتهي ,,,,
تذكر,,, يوم صحبه عمه وهو لايزال غضا ، رفقة بعض شباب القرية المفعم بالقوة والفتوة والحيوية إلى “ عين تموشنت “ بالجزائر ، للعمل في ضيعات المعمرين ,,, حيث قطعوا جل المسافة مشيا على الأقدام ,,,,
الإصطبل الذي كُبكِبوا فيه ,,,, فيه يأكلون ,, ويشربون ,, وينامون ,, ويستحمون ,, وأحيانا يسهرون ويمرحون ,,,
قساوة العمل ,,, وفظاعة الإستغلال ,,, وشماتة الغير ,,,
المناوشات والاصطدامات التي لاتهدأ ,,,,
تذكر “ خيرة العباسية “ البنت الجميلة التي أحبها حبا شديدا ,,, كاد أن يتزوج بها ، لولا لطف الله ، وقد امتهنت الرقص فيما بعد ، بإحدى فرق شيوخ المنطقة ,,,
تذكر “ قدور البوسعادي “ الذي شج رأسه ، وأساح دمه ، بعدما ضربه بقطعة آجر حين قال له : “ ولّي لبْلادك ألْمرّوكي الْخانزْ “ ,,,
غاص في ذكريات عمرت طويلا ,,, وشغلت حيزا كبيرا من حياته ,,, ينتقل من واحدة إلى أخرى ,,, يتذكر ,,, ثم يتذكر ,,, وهو يردد بصوت خافت ,,, كان ياما كان ,,, كان يا ما كان ,,,,,

Advertisements

فكرة واحدة على ”كان يا ما كان : عبد الله زغلي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s