*العتمة*: علي عبدوس

في غبش صباح بارد في الستينات، نزلنا أنا ووالدي أدراجا ضيقة معتمة في الشارع الكبير في المدينة الصغيرة التي يتسوق إليها لشراء مؤونة الأسبوع …
استقبلنا عجوز محدودب تنبعث منه رائحة غريبة، خرج طفلان من متاهات السكن يحدثان ضجة لمعرفة الزوار…
السكنى تحت الأرض ، لا يدخلها نور ولا هواء، رطبة ندية، كثيرة الممرات، كجحر الجرذان…
أجلسنا العجوز على فراش متسخ على الأرض، وشرع ووالدي يتحدثان، ويرددان كلمة “الكاز al gaz” باستمرار…
والدي متشنج يرد قبضته المعقوفة كل حين من أنف العجوز، وهو غير آخذ وعيد والدي وغضبه مآخذ الجد…
يستقبل ثورته بابتسامة صفراء ماكرة ما زالت منقوشة في ذاكرتي…
خرجت من متاهات السكن امرأة شديدة البياض وكأن أشعة الشمس لم تمسسها أبدا، تحمل خبزا وشايا وبيضتين مقليتين…في إناء من فخار…
حيت بأدب، وضعت الفطور على مائدة صغيرة من خشب، وتوارت في العتمة…
خفت حدة التوتر بين والدي والعجوز الهادئ، أفرغ الشاي في كوبين، قدم لي واحدا والآخر لوالدي، أمسكه وهو يحدق إلي…
استأذن العجوز وغاب في العتمة…
أزاح والدي الكوب من يدي برفق، وضعه على المائدة، وأمرني بصوت خفيض:
” لا تأكل ولا تشرب حتى يعود العجوز… هؤلاء يهود…”
لم اقتنع في سريرتي وأنا في حاجة ماسة إلى الشاي الساخن والبيض المقلي في صباح دجنبر البارد…
عاد العجوز بعد غياب قصير، جلس قربي يداعبني ويحثني على تناول الفطور وهو يربت على راسي الصغير…
أخذ والدي كوب الشاي وقدمه للعجوز آمرا بإصرار:
” والله حتى تشرب”.
رفض العجوز مبتسما، واعتذر ليغيب مرة أخرى في العتمة…
نط من إحدى الممرات احد الطفلين يقفز بحيوية، ناداه والدي، امسك يده، وشوش في أذنه :”………….”
أجاب متحاشيا أن يسمعه العجوز:
“جدتي الكبيرة بالت في الشاي…”
علي عبدوس     مستكمر:01/01/2016

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”*العتمة*: علي عبدوس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s